السيد كمال الحيدري
129
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
بالحكم الذي تضمنه التجربة حينئذ نتساءل : هل حكمنا هذا صحيح أم خطأ ؟ فإذا كان خطأ إذن أصبحت دعوى المنطق التجريبي خاطئة وأضحت دعوى المنطق العقلي صحيحة ، حيث إن هذا المنطق ينكر انحصار صحّة القضايا وصدقها بالقضايا التجريبية . وإذا كان صحيحاً ومنطقياً فهل هذا الحكم ذاته وليد التجربة أي إن صحّته تثبت لدينا من خلال التجربة أم أن هذا الحكم ليس وليد التجربة ؟ وإذا كان هذا الحكم ليس وليد تجربة إذن يتّضح أنه حكم بديهي أولي ، أي أن لدينا حكماً ثابتاً دون توسّط التجربة . وإذا ثبتت صحّة الحكم لدينا من خلال التجربة ، إذن فنحن قبل أن نجرّب لم نكن مؤمنين بالتجربة كمقياس ، وبعد أن تمّت التجربة فقد قيّمنا هذا الحكم على أساس أمرٍ لم يكن اعتباره المنطقي ثابتاً لدينا ، إذن فصحّة التجربة غير ثابتة لدينا ، إذن فهذا الحكم الذي هو الحكم المنطقي الوحيد الذي دعمته وأيّدته التجربة غير ثابت لدينا بطريق أوْلى » « 1 » . ببيان آخر : إن هناك تهافتاً منطقياً في إيمان التجريبيين بمذهبهم القائل إن التجربة هي المصدر الأساسي لكلّ المعارف البشرية ، لأنّ هذا القول نفسه قضية يعمّم فيها الحكم على كلّ معرفة ، فهل هذه القضية مستمدّة من مصدر قبليّ بصورة مستقلّة عن التجربة أم هي مستمدّة من التجربة كأيّ قضية أخرى ؟
--> ( 1 ) أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، تأليف السيد محمد حسين الطباطبائي ، ج 1 ، ص 434 ، تقديم وتعليق ، مرتضى مطهري ، ترجمة عمّار أبو رغيف ، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر .